عنوان الفتوى: حكم تقبيل الرجل للرجل، أو الرجل للمرأة

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

هل يجوز التقبيل بين الرجل والرجل وبين الرجل والمرأة؟

نص الجواب

رقم الفتوى

10739

15-مايو-2010

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

فجزاك الله خيراً أيها الأخ السائل على سؤالك، وزادك حرصاً، وبارك فيك، واعلم رعاك الله أن تقبيل الرجال بعضهم لبعض له حالان:

ـ الأول: أن يكون التقبيل في الوجه أو على الخدِّ فهو مكروه إلا لقادمٍ من السفر ونحوه، وقد قبَّل رسول الله صلى الله عليه وسلم القادم من السفر، حيث قبَّل جعفر بن أبي طالب عند قدومه من الحبشة، وقبَّل زيد بن حارثة عند قدومه من السفر، كما روى الترمذي، وقال حديث حسن، عن عائشة رضي الله عنها قالت: قدم زيد بن حارثة المدينة ورسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي، فأتاه فقرع الباب فقام إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ... فاعتنقه وقبله.

وقد نصَّ على ذلك أهل العلم، كما قال الإمام النووي رحمه الله في الأذكار: وأما المعانقة وتقبيل الوجه لغير الطفل ولغير القادم من سفر ونحوه، فمكروهان، نص على كراهتهما أبو محمد البغوي وغيره من أصحابنا، ويدل على الكراهة ما رويناه في كتابي الترمذي وابن ماجه عن أنس رضي الله عنه قال: قال رجل: يا رسول الله! الرجل منا يلقى أخاه أو صديقه أينحني له؟ قال: "لا" قال: أفيلتزمه ويقبله؟ قال: "لا" قال: فيأخذه بيده ويصافحه؟ قال: نعم" قال الترمذي: حديث حسن.

وقال العلامة ابن حجر الهيتمي الشافعي رحمه الله في تحفة المحتاج: وَيُسَنُّ تَقْبِيلُ قَادِمٍ مِنْ سَفَرٍ وَمُعَانَقَتُهُ لِلِاتِّبَاعِ الصَّحِيحِ فِي جَعْفَرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، لَمَّا قَدِمَ مِنْ الْحَبَشَةِ، وَيَحْرُمُ نَحْوُ تَقْبِيلِ الْأَمْرَدِ الْحَسَنِ غَيْرِ نَحْوِ الْمَحْرَمِ وَمَسِّ شَيْءٍ مِنْ بَدَنِهِ بِلَا حَائِلٍ كَمَا مَرَّ.اهـ

ومحل الكراهة لتقبيل غير القادم من سفرٍ أو الجواز للقادم من السفر ونحوه، إنما هو مع عدم الشهوة، فإذا كان لشهوة فهو حرام مطلقًا.

الثاني: أن يكون تقبيل الرجل للرجل على الفم، فلا يجوز إذا كان على وجه الشهوة أيضاً، فكل ميل غير طبيعي ولو من ذكر إلى ذكر، أو من أنثى إلى أنثى، فإنه محرم ينبغي اجتناب دواعيه وأسبابه، وهذا بلا خلاف بين الفقهاء، فقد روي ابن أبي شيبة في مصنفه عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أَنَّهُ نَهَى عَنْ الْمُكَامَعَةِ، وَهِيَ الْمُعَانَقَةُ، وَعَنْ الْمُكَاعَمَةِ، وَهِيَ التَّقْبِيلُ).

قال الإمام الزيلعي الحنفي رحمه الله في نصب الراية: قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَالْمُكَاعَمَةُ: أَنْ يَلْثِمَ الرَّجُلُ فَاهَ صَاحِبِهِ، مَأْخُوذٌ مِنْ كَعَامِ الْبَعِيرِ، وَهِيَ أَنْ يَشُدَّ فَاهُ إذَا هَاجَ.اهـ

قال العلامة النفراوي المالكي رحمه الله في الفواكه الدواني بعد أن ذكر كراهة تقبيل اليد: وَمَفْهُومُ تَقْبِيلِ الْيَدِ أَنَّ تَقْبِيلَ الْفَمِ أَحْرَى بِالْكَرَاهَةِ، إذْ لَا رُخْصَةَ فِي تَقْبِيلِ الرَّجُلِ فَمَ رَجُلٍ ...اهـ

وقال العلامة الرحيباني الحنبلي رحمه الله في مطالب أولي النهى: وأما تقبيل الرجل فم الرجل، والمرأة فم المرأة، فمكروه مع أمن ثوران الشهوة، وإلا فحرام بلا ريب.اهـ

أما إذا لم يكن على وجه الشهوة فمكروه، وهو أمر مستهجن في عادة أكثر الناس مع دخوله في النهي السابق.

وأما تقبيل الرجل للمرأة فعلى حالين:

الأول: إذا كانت المرأة إحدى محارمه فيجوز تقبيلها على اليد والرأس والجبهة والخدِّ، واشترط بعضهم أن يأمن الرجل على نفسه من إثارة الشهوة وحدوث الفتنة، أما على الفم فلا، وقد قبَّل رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنته فاطمة رضي الله عنها بين عينيها، وقبَّل أبو بكر رضي الله عنه ابنته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها على خدِّها.

قال العلامة النفراوي المالكي رحمه الله في الفواكه الدواني: وَأَمَّا تَقْبِيلُ ابْنَتِهِ أَوْ أُخْتِهِ أَوْ أُمِّهِ فَمَهُ إذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ فَلَا بَأْسَ بِهِ كَمَا قَالَهُ، كَمَا لَا بَأْسَ أَنْ يُقَبِّلَ خَدَّ ابْنَتِهِ، وَيُكْرَهُ أَنْ تُقَبِّلَهُ خَتَنَتُهُ وَمُعْتَقَتُهُ وَإِنْ كَانَتْ مُتَجَالَّةً.اهـ

وقال العلامة البهوتي الحنبلي رحمه الله في كشاف القناع: (وَلَا بَأْسَ لِلْقَادِمِ مِنْ سَفَرٍ بِتَقْبِيلِ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ إذَا لَمْ يَخَفْ عَلَى نَفْسِهِ) ...وَذَكَرَ حَدِيثَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ: (أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدِمَ مِنْ غَزْوٍ فَقَبَّلَ فَاطِمَةَ)، (لَكِنْ لَا يَفْعَلُهُ عَلَى الْفَمِ بَلْ الْجَبْهَةِ وَالرَّأْسِ) .اهـ

الثاني: أما إذا كانت المرأة أجنبية عنه فإنه يحرم تقبيلها، بل ولمسها ومصافحتها والنظر إليها لغير حاجة شرعية من خطبة وشهادة ونحوهما.

وهذا عام يشمل الرجال والنساء حتى عند تقدم السن وفتور الشهوة، أما في حالة الشباب ومقتبل العمر فمنعُ التقبيل أشد وحرمته أقوى لما فيه من مخالفات متراكمة ومحظورات لا تخفى، فهو وإن لم يكن فاحشة فهو محرم ينطوي على مفاسد عظيمة ويفضي إلى الفاحشة، لأن القبلة مقدمة الزنا، وأقل ما يقال في هذا الفعل أنه من زنا الجوارح، وقد روى البيهقي في شعب الإيمان عن ابن مسعود رضي الله عنه ، في قوله عزوجل: (إلا اللمم) قال: زنا العين النظر، وزنا الشفتين التقبيل، وزنا اليدين البطش، وزنا الرجلين المشي، ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه.

وقد اتفق الأئمة الأربعة على أنه يحرم على الرجل مس أو مصافحة المرأة الشابة الأجنبية عنه، أما تقبيلها فإنه أشد حرمة عندهم، وأخرج الطبراني والبيهقي : عن معقل بن يسار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لأن يطعن أحدكم بمخيط من حديد خير له من أن يمس امرأة لا تحل له".

قال الإمام النووي رحمه الله في المجموع: كل من حرم النظر إليه حرم مسه، وقد يحل النظر مع تحريم المس فانه يحل النظر إلى الاجنبية في البيع والشراء والاخذ والعطاء ونحوها ولا يجوز مسها في شئ من ذلك .اهـ، والله أعلم.

 

  • والخلاصة

    يجوز للرجل أن يُقبِّل رجلاً آخر على خدِّه أو وجهه إذا قدم من سفرٍ، وإلا فمكروه، وأما تقبيله في الفم فحرام إن كان بشهوة، وبدونها فمكروه، كما يجوز للرجل تقبيل إحدى محارمه على رأسها أو خدِّها أو جبهتها، أما الأجنبية فإنه يحرم تقبيلها، بل ولمسها ومصافحتها والنظر إليها لغير حاجة شرعية من خطبة وشهادة ونحوهما، والله أعلم.