عنوان الفتوى: معية الله

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

حديث:(نصب الله وجهه إلى وجه المصلي). أليس فيه دليل على أن الله معنا؟

نص الجواب

رقم الفتوى

3029

04-يناير-2009

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

فأما الحديث الذي ذكرته فقد رواه الأئمة الترمذي وأحمد وابن خزيمة والحاكم وغيرهم -في حديث طويل ـ عن الْحَارِث الْأَشْعَرِيّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :(إِنَّ اللَّهَ أَمَرَ يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ أَنْ يَعْمَلَ بِهَا وَيَأْمُرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يَعْمَلُوا بِهَا ...) وفيه:(... وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَكُمْ بِالصَّلَاةِ فَإِذَا صَلَّيْتُمْ فَلَا تَلْتَفِتُوا فَإِنَّ اللَّهَ يَنْصِبُ وَجْهَهُ لِوَجْهِ عَبْدِهِ فِي صَلَاتِهِ مَا لَمْ يَلْتَفِتْ ...الحديث) وقال الإمام الحاكم :الحديث على شرط الأئمة صحيح محفوظ.

واعلم حفظك الله  أن معية الله للخلق ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع:

وقد ورد إثبات هذه المعية في كتاب الله تعالى في مواضع كثيرة، منها : قوله تعالى{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}(7) سورة المجادلة.وقال تعالى{ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} (4) سورة الحديد 

وقال تعالى خطاباً لنبيه موسى وأخيه هارون عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام {قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى } (46) سورة طـه.

وقال تعالى حكاية عن نبيه موسى عليه السلام{قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} (62)سورة الشعراء.

وقال تعالى عن معيته لنبيه المصطفى صلى الله عليه وسلم:{إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}(40)سورةالتوبة.

وقال تعالى عن معيته لأوليائه{إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ} (128)سورةالنحل.وقال تعالى{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} (153) سورة البقرة

والمعية من صفات أفعاله تعالى ، و معيّة الله تعالى أي كونه مع المخلوقات ليست كمعيّة المخلوقات بعضهم مع بعض، بل الله جل جلاله معهم معية تليق به ، أو معهم بعلمه وسمعه وبصره مثلا ، وكذا قرب الله تعالى إلى عبده وكونه أقرب إليه من حبل الوريد ليس كقرب المخلوقات بعضهم من بعض لأنه سبحانه لا يقاس بخلقه ، فعلوُّه على خلقه لا ينافي معيته لعباده بخلاف المخلوق ، بل الله جل جلاله قريب إلى عبده قرباً يليق به ، أو قريب إليه بالهيمنة والقدرة مثلاً ، والرب ليس كمثله شيء لكمال علمه وقدرته . 

كما أن معية الله لعباده ثابتة بالسنة أيضاً في مواضع كثيرة، ومن ذلك ما أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ:قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :( يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً)

قال الإمام النووي في شرحه على مسلم :قَوْله تَعَالَى : { وَأَنَا مَعَهُ حِين يَذْكُرنِي } أَيْ مَعَهُ بِالرَّحْمَةِ وَالتَّوْفِيق وَالْهِدَايَة وَالرِّعَايَة . وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى : { وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُمْ } فَمَعْنَاهُ بِالْعِلْمِ وَالْإِحَاطَة .اهـ 

ومنها : ما رواه الترمذيُّ ، وقال : حديثٌ حسنَ صَحيحٌ .عَنْ عبدِ الله بنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما قالَ : كُنتُ خَلفَ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فقال :( يا غُلامُ إنِّي أعلِّمُكُ كَلماتٍ : احفَظِ الله يَحْفَظْكَ ، احفَظِ الله تَجِدْهُ تجاهَكَ ، إذا سَأَلْت فاسألِ الله ، وإذا استَعنْتَ فاستَعِنْ باللهِ ... الحديث) . 

قال الحافظ ابن رجب في جامع العلوم والحكم : معناه : أنَّ مَنْ حَفِظَ حُدودَ الله ، وراعى حقوقه ، وجد الله معه في كُلِّ أحواله حيث توجَّه يَحُوطُهُ وينصرهُ ويحفَظه ويوفِّقُه ويُسدده فـ { إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ } قال قتادة : من يتق الله يكن معه ، ومن يكن الله معه ، فمعه الفئة التي لا تُغلب، والحارس الذي لا ينام، والهادي الذي لا يضل. وكتبَ بعضُ السَّلف إلى أخٍ له : أمَّا بعد ، فإنْ كان الله معك فمن تخاف ؟ وإنْ كان عليك فمن ترجو ؟ أخرجه أبونعيم في الحلية .اهـ 

كما أن معية الله لعباده وخواص أوليائه وهو المعبر بالنصرة والتأييد والعون والمدد والمحبة أمر مشاهد بالبصر والبصيرة، ومن ذاق عرف، ولا زالت معية الله ونصرته وتأييده ومحبته لأوليائه بفضل الله تعالى أمر يلمسه العامة والخاصة في دعاء الله وفي العبادات كالحج والصوم والذكر وعند النوازل وعند الموت ،قال تعالى {فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ} (14) سورة الصف.أسأل الله أن يجعل أنسنا به وبذكره وبمحبته وبمعيته، آمين .

 

 

  • والخلاصة

    معية الله للخلق ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع ، ومعيّة الله تعالى أي كونه مع المخلوقات ليست كمعيّة المخلوقات بعضهم مع بعض ، بل الله جل جلاله معهم معية تليق به ، أو معهم بعلمه وسمعه وبصره قال تعالى ( انني معكما أسمع وأرى) مثلا، والله الموفق.