عنوان الفتوى: علاج الشك والغيرة بين الزوجين

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

زوجتي دائمة الشك عند خروجي، وعندما أجلس لوحدي، وكل هذا لأنها تخاف الزواج عليها، وأنا أقسمت لها أني لن أتزوج عليها، فما الذي أفعله كي أجعلها تترك الشك؟

نص الجواب

رقم الفتوى

3916

20-مارس-2009

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

 فجزاك الله خيراً أيها السائل الكريم على سؤالك، وزادك حرصاً، وبارك فيك. 

واعلم حفظك الله أنَّ الحياة الزوجية تقوم أساساً على المودة والرحمة، فالزواج آية عظيمة من آيات الله تعالى؛ قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون} [الروم: 21]. 

وقد أمرنا الله تعالى بحسن معاشرة النساء فقال تعالى: { وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً }النساء19. 

والمرأة بطبيعتها غيورة على زوجها، لأن الغيرة أمر مُركب في النساء، وقد تأتي الغيرة بمفاسد وسلبيات وأحياناً ما تتجاوز حدَّ الاعتدال، ولذلك أمرنا الله تعالى بالصبر على غيرة النساء، وتَفَهُّم هذا الطبع فيهن، لأنه أمر جِبِلِّي جُبِلَتْ المرأة عليه، لا تنفك عنه، حتى أفاضل النساء، ومن ذلك أن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها غارت عليه صلى الله عليه وسلم من بعض نسائه، وقامت بعمل يتنافى مع حضرته الشريفة صلى الله عليه وسلم، إلا أنه صلى الله عليه وسلم تفهَّم ذلك فيها، واحتمله منها بحسن خلقه صلى الله عليه وسلم وإنصافه وحلمه لما علم من أمر الغيرة في النساء، وأنه الغيرة فِطرة فُطِرن عليها.

فقد روى البخاري عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: "كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ بَعْضِ نِسَائِهِ فَأَرْسَلَتْ إِحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ بِصَحْفَةٍ فِيهَا طَعَامٌ فَضَرَبَتْ الَّتِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِهَا يَدَ الْخَادِمِ فَسَقَطَتْ الصَّحْفَةُ فَانْفَلَقَتْ فَجَمَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِلَقَ الصَّحْفَةِ ثُمَّ جَعَلَ يَجْمَعُ فِيهَا الطَّعَامَ الَّذِي كَانَ فِي الصَّحْفَةِ وَيَقُولُ: (غَارَتْ أُمُّكُمْ ) ثُمَّ حَبَسَ الْخَادِمَ حَتَّى أُتِيَ بِصَحْفَةٍ مِنْ عِنْدِ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا فَدَفَعَ الصَّحْفَةَ الصَّحِيحَةَ إِلَى الَّتِي كُسِرَتْ صَحْفَتُهَا وَأَمْسَكَ الْمَكْسُورَةَ فِي بَيْتِ الَّتِي كَسَرَتْ فيه ".

وقد نقل الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله في فتح الباري عن جمع من شرح هذا الحديث: "قالوا: فيه إشارة إلى عدم مؤاخذة الغيراء بما يصدر منها لأنها في تلك الحالة يكون عقلها محجوباً بشدة الغضب الذي أثارته الغيرة، وقد أخرج أبو يعلى بسند لا بأس به عن عائشة مرفوعاً: "أن الغيراء لا تبصر أسفل الوادي من أعلاه" قاله في قصة، وعن ابن مسعود رفعه: "إن الله كتب الغيرة على النساء، فمن صبر منهن كان لها أجر شهيد" أخرجه البزار وأشار إلى صحته ورجاله ثقات "اهـ. 

 وقال الحافظ أيضاً: "وقوله: "غارت أمكم" اعتذار منه صلى الله عليه وسلم لئلا يحمل صنيعها على ما يذم، بل يجري على عادة الضرائر من الغيرة فإنها مركبة في النفس بحيث لا يقدر على دفعها "اهـ.

ولذا فينبغي عليك أخي السائل أن تتفهم غيرة زوجتك وأن تصبر عليها، فغيرتها عليك أمر صحي لزواجكما، وهي دليل محبتها لك، ومع ذلك فاحرص على جذب زوجتك نحوك بحسن أخلاقك، وكلماتك الطيبة، وابتسامتك، وتلبية رغبات زوجتك وتفقد حاجاتها، وأعد إلى العلاقة بينكما دفء الألفة والمحبة والمودة والثقة، وأعطها من الأمان في نفسها تجاه ما يثير حفيظة الغيرة لديها، ومن ذلك أن تجتنب الحديث عن غيرها من النساء أو الحديث عن الرجال الذين تزوجوا أكثر من زوجة، وأَشْعِرْها بأنها تملأ عليك حياتك، واذكرها في دعائك أن يشرح الله صدرها وأن ينير بصيرتها، فالدعاء علاج ناجعٌ لهذا الأمر، كما روى الحاكم في المستدرك عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: يا رسول الله، أنا امرأة غيرى! فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم:" فسأدعو لك أن يذهب الله غيرتك". 

وفي المقابل نقول لهذه الزوجة الغيورة على زوجها : الغيرة شعور عاطفي جيَّاش يعبر عن حب عميق من الزوجة لزوجها، وهذا الشعور يسعد الزوج ويحاكي عواطفه ومشاعره إذا بقيت الغيرة في حدودها الصحية، بمعنى ألا تتحول إلى فقدان ثقة، وتوجيه اتهامات بعلاقات غير شرعية، والملاحقة بوسواس المراقبة والرصد! فإذا وصلت إلى هذا الحد  فتحتاج إلى علاج! وإذا تركت دون علاج فقد تؤدي إلى خراب العلاقة الزوجية وكانوا يقولون:" إن من الحب ما قتل"

وقد أرشدنا الإسلام إلى أنه ينبغي أن تسبق الثقة المتبادلة بين الزوجين وتعلو على الشكوك والأوهام التي تُفسد البيوت وتذهب بها إلى مستنقع مُوحِلٍ من سوء الظن على كل حال

ولذا ننصحك أنتِ أيضاً أن تحرصي على جذب زوجك نحوك ، وذلك بزينتك، وحسن أخلاقك، وكلماتك الطيبة، وابتسامتك، وتلبية رغبات زوجك وتفقد حاجاته، ولا تثقلي على زوجك بغيرتك ، واحذري من إغضابه من وقت لآخر بسبب الغيرة ، فقد يتحول الأمر إلى عكس المراد ، وبدلا من أن يصبر عليكِ ينفر منكِ ، فإن الرجل لا ينظر فقط إلى جمال الوجه والجسم ، ولكن أفضل ما يرضيه حسن خلقكِ وسعة صدرك ، واتساع أفقكِ بدلا من إساءة الطن به ، ودوران الشكوك والأوهام حوله في كل كبيرة وصغيرة ، وحاولي أن تُقَدِّمي حسن الظن ، وإذا أغضبتيه فاسترضيه ، نسأل الله أن يؤدم بينكما وأن يصلح أحوالكما ، والله الموفق.

  • والخلاصة

    أمرنا الله تعالى بحسن معاشرة النساء، والمرأة بطبيعتها غيورة على زوجها، لأن الغيرة أمر مُركب في النساء، لذا أمرنا الله بالصبر عليهن وتفهم حالهن في ذلك، والدعاء لها بإصلاح حالها وذهاب الغيرة عنها، وننصح هذه الزوجة بأنه ينبغي أن تسبق الثقة المتبادلة بين الزوجين وتعلو على الشكوك والأوهام التي تُفسد البيوت وتذهب بها إلى مستنقع مُوحِلٍ من سوء الظن على كل حال، فقد يتحول الأمر إلى عكس المراد ، وبدلا من أن يصبر عليكِ ينفر منكِ، والله الموفق.