عنوان الفتوى: الاقتراض من بنك ربوي للضرورة

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

أنا شاب وحيد ولي أربعة أخوات وأبي عاطل عن العمل وعليه دين لا أستطيع سداده دفعة واحدة وأيضاً يجب أن أدفع قسط الجامعة لأختي وأبي يفكر برهن المنزل وأنا ليس لدي ما يكفي لذلك بسبب قلة راتبي، هل يجوز لي أخذ قرض من البنك مع أني أعلم أنه سيأخذ فائدة، وأبي قال: إنه سأل عن ذلك وقيل له: لا مشكلة، فهذه ضرورة؟

نص الجواب

رقم الفتوى

6294

17-يوليو-2009

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

فاعلم يا أخي السائل الكريم بارك الله بك وقضى الله دين والدك، وجعلك وإياه من عباده الصالحين: أن الله تعالى يبتلي عباده بأنواع من البلاء ليعلم الصابرين.

قال الله سبحانه وتعالى قال: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة:155].

وقال تعالى: {أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ }النمل62.

فالواجب على المسلم إذا وقع في كرب أو ضرورة أن يلجأ إلى الله عز وجل بصدق، وأن يسأله تعالى أن يفرج عنه الكروب، ويقضي عنه الديون، وأن يرزقه من فضله العظيم. وليعلم أن الخلاص بتقوى الله تعالى.

قال الله سبحانه: ( وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً ) الطلاق /2-3.  

وأما الاقتراض من بنك ربوي لسداد الديون، بحجة أن هذه ضرورة، فهذ الكلام يحتاج إلى تدقيق، لأن الرِّبا إثمٌ كبير، وأمرٌ خطير، وتحريمه قاطع لا شك فيه، والله تعالى لعن آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه،

وإن الضرورة التي تبيح القروض الربوية هي ذاتها الضرورة التي تبيح أكل الميتة والخنزير ونحو ذلك، وهي أن يتعرض المضطر للهلاك جوعاً أو عرياً أو لفقد المسكن. أو تلحقه مشقة وضرر شديد لا يمكنه احتماله، فهذه هي الضرورة التي تبيح المحظورات.

وقد جاء بيانها في غمز عيون البصائر في شرح الأشباه والنظائر:" فالضرورة: بلوغه حدّاً إن لم يتناول الممنوع هلك، أو قارب؛ كالمضطر للأكل واللبس، بحيث لو بقي جائعاً أو عرياناً لمات، أو تلف منه عضو، وهذا يبيح تناول المحرم. والحاجة: كالجائع الذي لو لم يجد ما يأكل لم يهلك، غير أنه يكون في جهد ومشقة، وهذا لا يبيح المحرَّم " انتهى "المنثور في القواعد" ( 2 / 319 ).

وعلى ذلك : فإنما يجوز لك مثل هذا القرض، عند من رخص فيه، إذا كانت حالك قد بلغت حد الضرورة، وغلب على ظنك أن هذه العملية نافعة لك، وتدفع عنك الضرر والمشقة التي نزلت بك.

ولكننا نشير هنا إلى أمور ثلاثة:

الأول : أن يكون الدافع للاقتراض هو الضرورة التي مر بيانها، وليست الحاجة التي يمكنه التخلي عنها ، وعدم فعلها ، والضرورة تتعلق بضرر يقع على دينه أو بدنه أو عقله أو عرضه أو ماله - وهي ما يسمى " الضرورات الخمس " - ، وليست هي المشقة التي يمكن تحملها ، بل هي الضرورة التي قد تسبب له هلاكاً ، أو تلفاً لبعض أعضائه ، أو سجناً طويلاً ، أو مرضاً مزمناً.

الثاني: أن الضرورة في باب الربا متعلقة بالمقترض، لا بالمقرض إذ ليس هناك ما يجعل المقرض مضطراً لأن يقرِض بالربا، بخلاف المحتاج للقرض فإنه قد تُغلق الأبواب في وجهه ( مع شدة اضطراره ) فلا يجد إلا باب القرض بفائدة ربوية.

وقد توسَّع كثيرون في أمر القرض بالربا ، فجعلوا شراء بيتٍ ، أو سيارة ، أو تغيير أثاث البيت، من الضرورة، وهو ليس كذلك، فتعاملوا مع مؤسسات الربا بمثل هذا العذر، وقد وجدوا من يفتي لهم في بعض تلك الأشياء !

الثالث: عدم وجود البدائل الشرعية التي لا شبهة فيها للحصول على المال؛ مثل: الاستدانة من شخص دون ربا، وبيع المرابحة للآمر بالشراء، أو الإجارة المنتهية بالتمليك، أو بيع التقسيط، الذي تستخدمه المصارف والمؤسسات الإسلامية. وبإمكانك مثلاً أن تشتري سيارة بالتقسيط من بنك إسلامي ثم تبيعها في السوق نقداً وتحصل على المال، وتسدد به ديون أبيك وقسط الجامعة ثم تقوم بسداد أقساط البنك الإسلامي.

وليُعلم أن كثيراً من هؤلاء قد يكون لهم الحق في الزكاة، فلا بأس من طلبهم ذلك من المؤسسات التي تقوم على جمع زكاة المسلمين.

فإن أمكنك الحصول على المال بالطرق الشرعية المباحة - كالقرض الحسن والزكاة وبيع المرابحة للآمر بالشراء، أو الإجارة المنتهية بالتمليك، أو بيع التقسيط، الذي تستخدمه المصارف والمؤسسات الإسلامية؛ فلستَ معذوراً بأخذ قرضٍ ربوي ، وإن كنتَ تستطيع تقسيط المبلغ الذي عليك: فلستَ معذوراً أيضاً، فإن لم يمكنك الحصول على المال بطريق مباح وكان يترتب على عدم دفعك للمبلغ ، ضرراً لا يمكن تحمله، كدخول السجن لفترة طويلة فنرجو أن تكون من المعذورين المضطرين للتعامل بالربا، ولا إثم عليك ، وإنما الإثم على من أقرضك بالربا، وعلى من علم بحالك ولم يساعدك مع استطاعته.

ويجب أن تعلم أن العلماء يقولون " إن الضرورة تقدَّر بقدرها " ومعنى ذلك - في حالتك -: أنه لا يجوز لك أن تأخذ من البنك إلا القدر الذي به تسلم من الضرر والأذى، ولا يجوز لك الزيادة عليه، كما ننبهك إلى أنك إن وجدت مالاً بعد ذلك فيجب عليك أن تسارع في سداد البنك إن كنت بذلك تتخلص من الفوائد الربوية كلها أو بعضها .وكانت حالك ، مع ذلك ، لا يمكن تأخيرها إلى أن يتيسر لك قرض حسن ، أو رزق طيب. 

ونضع بين يديك هذا الحديث الشريف كما في سنن أبي داود عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: "دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ الْمَسْجِدَ فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ أَبُو أُمَامَةَ فَقَالَ يَا أَبَا أُمَامَةَ مَا لِي أَرَاكَ جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ فِي غَيْرِ وَقْتِ الصَّلَاةِ قَالَ هُمُومٌ لَزِمَتْنِي وَدُيُونٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَفَلَا أُعَلِّمُكَ كَلَامًا إِذَا أَنْتَ قُلْتَهُ أَذْهَبَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَمَّكَ وَقَضَى عَنْكَ دَيْنَكَ قَالَ قُلْتُ بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ قُلْ إِذَا أَصْبَحْتَ وَإِذَا أَمْسَيْتَ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ الْجُبْنِ وَالْبُخْلِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ وَقَهْرِ الرِّجَالِ
قَالَ فَفَعَلْتُ ذَلِكَ فَأَذْهَبَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَمِّي وَقَضَى عَنِّي دَيْنِي" فرج الله همك وقضى دينك.

 

  • والخلاصة

    الاقتراض بالربا من المحرمات القطعية الثابتة التي لا مجال للتلاعب بها، ولا يباح الاقتراض بالربا إلا في حالة الضرورة، وأن الضرورة تقدر بقدرها، والضرورة هي أن يتعرض المضطر للهلاك جوعاً أو عرياً أو لفقد المسكن. أو تلحقه مشقة وضرر شديد لا يطيقه، و لا يمكنه احتماله، فهذه هي الضرورة التي تبيح المحظورات. 

    وننصحك باتباع البدائل الشرعية المباحة للحصول على المال؛ مثل: الاستدانة من شخص دون ربا، وبيع المرابحة للآمر بالشراء، أو الإجارة المنتهية بالتمليك، أو بيع التقسيط، الذي تستخدمه المصارف والمؤسسات الإسلامية. وبإمكانك مثلاً أن تشتري سيارة بالتقسيط من بنك إسلامي ثم تبيعها في السوق نقداً وتحصل على المال، وتسدد به ديون أبيك وقسط الجامعة ثم تقوم بسداد أقساط البنك الإسلامي. والله أعلم.