عنوان الفتوى: رفع الصوت بالذكر بعد الصلاة

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

هل الذكر بعد الصلاة بصوت عالي كقولي: (لا إله إلا الله) جائز في صلاة الجماعة؟

نص الجواب

رقم الفتوى

9865

06-أبريل-2010

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

فالذكر والدعاء بابان من أبواب الرحمة الإلهية يفتحها الله على لسان وقلب من أحب من عباده، وقد علمنا النبي صلى الله عليه وسلم سؤال الحق تعالى دبر كل صلاة كما جاء في الحديث المسلسل الذي يرويه الإمام أبو داوود رحمه الله عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَ بِيَدِهِ وَقَالَ: "يَا مُعَاذُ وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ، فَقَالَ: أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ لَا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ تَقُولُ اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِك".

والذاكر مذكور عند الحق تبارك وتعالى ومن داوم عليه فاز به حاز، واجتاز بنوره عقبات الغفلة والشهوة والظلمات، وفاز بمغفرة الله تعالى والفوز العظيم كما قال الله تعالى: {وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً}[الأحزاب:35]، وهناك تقييد من أهل العلم بخصوص الذكر عموما وخصوصا ويختلف من شخص إلى شخص، وهذا التفصيل في غير التعليم للناس، وصلاة الاستستقاء والعيدين فلا بأس برفع الصوت بذلك وسيأتي الكلام عليه آخراً.

حكم رفع الصوت بالذكر بعد الصلاة: وأما بخصوص رفع الصوت بالذكر بعد الصلاة فإن رفع الصوت بعد الصلاة يختلف بين مسألة التعليم وعدمه، وعدم التشويش على الناس، فإن كان للتعليم فلا بأس به وقد كثر جهل الناس في هذه المسائل فيرفع الإمام صوته ويسكت أخرى منبها للناس بذلك ومعلما، وأما بغير التعليم فالأولى عدم رفع الصوت خشية التشويش على الناس وإخراج الناس عن الحضور والسكينة بما يحدثه من رفع صوته، لكن هناك روايات بالجهر والإسرار حملها أئمتنا من أهل العلم على معنى ما تقدم وهو رأي الشافعي رحمه الله تعالى كما نقله النووي في شرح صحيح مسلم عند حديث ابن عباس في الجهر.

منها كما رواه البخاري ومسلم: كنت أعرف انقضاء صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتكبير، وفي رواية لمسلم: كنا... وفي رواية لهما عنه أيضا أن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال ابن عباس رضي الله عنهما: كنت أعلم إذا انصرفوا إذا سمعته.

ومعنى هذا أن الناس الذين كانوا يصلون خلف النبي صلى الله عليه وسلم، وخاصة من يكونون في الصفوف الخلفية لا يسمعون عبارة -السلام عليكم- التي ينتهي بها الرسول من الصلاة فيظلون منتظرين حتى يفرغ الرسول منها ويشرع في ختام الصلاة بالتكبير والتسبيح والتحميد وما إلى ذلك، أي أن صوته كان مرتفعا فيسمعوه.

وورد في الإسرار بختام الصلاة ما رواه أحمد عن أبى سعيد الخدرى رضي الله عنه قال: اعتكف رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمعهم يجهرون بالقراءة وهم في قبة لهم، فكشف الستور وقال: "ألا إن كلكم مناج ربه، فلا يؤذين بعضكم بعضا، ولا يرفعن بعضكم على بعض بالقراءة"، أو قال: "في الصلاة".

وبناء على هذه النصوص اختلف الفقهاء رحمهم الله، في حكم الجهر بالذكر عقب الصلوات، فمنهم من قال: لا بأس به، بناء على ما رواه ابن عباس، ومنهم من قال بكراهته، بناء على ما رواه أبو سعيد الخدرى  رضي الله عنهم.

قال الإمام النووي في شرح صحيح مسلم تعقيبا على حديث ابن عباس: هذا دليل لما قاله بعض السلف: إنه يستحب رفع الصوت بالتكبير والذكر عقب المكتوبة، وممن استحبه من المتأخرين ابن حزم الظاهري.

ونقل ابن بطال وآخرون أن أصحاب المذاهب المتبوعة وغيرهم متفقون على عدم استحباب رفع الصوت بالذكر والتكبير، وحمل الشافعي رضي الله عنه هنا الحديث - حديث ابن عباس- على أنه جهروا وقتا يسيرا حتى يعلمهم صفة الذكر، لا أنهم جهروا دائما، قال فأختار للإمام والمأموم أن يذكرا الله تعالى بعد الفراغ من الصلاة ويخفيا ذلك، إلا أن يكون إماما يريد أن يتعلَّم منه فيجهر، حتى يعلم أنه قد تعلم منه ثم يسر، وحمل الحديث على هذا.

حكم الذكر حالة الانفراد: فأما الذاكر المنفرد فقد يكون مخلصا منوراً، لا يلاحظ أحدا إلا الله، ولا يفعل لأجل أحد غالبا، فلا بأس برفع صوته في الذكر ولعله يكون أشد قرعا على حجاب قلبه وأنفع له وأشد تأثيرا على زوال الران من القلب، وأدعى إلى النشاط وأجمع للهمة والتفكر في آلاء الله تعالى.

وأما أن يكون ضعيفا، مرائيا، شديد الملاحظة للخلق، فالأولى له الإسرار حتى ينتفع بذكره ويستنير قلبه به، فلا ينصرف عن ذلك بملاحظة الخلق فيبتعد عن مقصوده ويتفرق عن معبوده، حتى يقوى بذلك النور على مجاهدة نفسه والالتزام بأمر الله تعالى، وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين. 

وقد وردت روايات لأناس من الصحابة رضي الله عنهم كانوا يرفعون أصواتهم في الذكر كما أخرج البيهقى أن رجلا كان يرفع صوته بالذكر، وهو عبد الله ذو البجادين رضي الله عنه فقال رجل: لو أن هذا خفض من صوته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "دعه فإنه أوَّاه".

وقد جمع النووى رحمه الله بين نصوص الجهر ونصوص الإسرار فقال: إن الإخفاء أفضل حيثما خاف الرياء أو تأذى به مصلون أو نيام، والجهر أفضل فى غير ذلك، لأن العمل فيه أكثر، ولأن فائدته تتعدى إلى السامعين، ولأنه يوقظ قلب القارئ، ويجمع همه إلى الفكر، ويصرف سمعه إليه، ويطرد النوم ، ويزيد النشاط.

وقال بعضهم: يجب الجهر ببعض القراءة والإسرار ببعضها، لأن المسر قد يمل فيأنس بالجهر، والجاهر قد يكل فيستريح بالإسرار انتهى، وذلك كله في غير التَّعْليم وفيما إذا كان الدعاء جماعيا كما في صلاة الاستسقاء والقنوت مثلا، فالجهر أفضل، وما سبق هو في الذكر والدعاء عامة.

والخلاصة بعد عرض هذا الكلام المبني على النصوص العامة والخاصة بالذكر بعد الصلاة، أن الإسرار بالذكر أولى وأحرى وأفضل، لأنه أعون على الإخلاص، وفيه عدم تشويش على المصلين الآخرين، وذلك في الأوساط الإسلامية العارفة بختام الصلاة، أما في المجتمعات التي بحاجة إلى التعليم فإن الجهر يكون أفضل للتعليم، وذلك بصفة مؤقتة ثم يكون الإسرار بعد ذلك هو الأفضل وليس المراد بالسر أن يكون همسا لا يسمع الإنسان نفسه، ولكن المراد ألا يشوش به على غيره، وقد نقل عن المرحوم الشيخ محمد بخيت المطيعى مفتى الديار المصرية الأسبق رحمه الله قوله: (وختم الصلوات بالذكر والأدعية المأثورة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مندوب مرغب فيه شرعا ما دام الذكر والدعاء منها وسطا لا إلى إفراط بحيث يجهد نفسه ويزعج غيره، ولا إلى تفريط بحيث لا يسمع نفسه بل يكون كما قال الله تعالى: {ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا}[الإسراء:110]، والله أعلم.

  • والخلاصة

    الإسرار بالذكر بعد الصلاة أفضل لأنه أعون على الإخلاص، وفيه عدم تشويش على المصلين الآخرين، وذلك في الأوساط الإسلامية العارفة بختام الصلاة، وأما في المجتمعات التي بحاجة إلى التعليم فإن الجهر يكون أفضل للتعليم، وذلك بصفة مؤقتة ثم يكون الإسرار بعد ذلك هو الأفضل، وليس المراد بالسر أن يكون همسا لا يسمع الإنسان نفسه، ولكن المراد ألا يشوش به على غيره، والله أعلم.