الديون

تاريخ النشر: 29-05-2012

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

 

لتحميل الخطبة بصيغة ملف (Word)          لتحميل الخطبة بصيغة ملف (PDF)

خطبة الجمعة أردو زبان مين (Word     خطبة الجمعة أردو زبان مين (PDF)

 الخطبة الأولى

الحمد لله علام الغيوب، كاشف الكروب، ساتر العيوب، أحمده تعالى حمدا يليق بكمال وجهه وعظيم سلطانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدا عبد الله ورسوله وصفيه من خلقه وخليله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فأوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله عز وجل، قال تعالى:( ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله).

أيها المؤمنون: خلق الله تعالى الإنسان وكرمه، وكفل له رزقه ويسره، وشرع له السعي في الأرض، قال تعالى:( هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور)

والرزق المباح هو الحلال الطيب الذي لا ريبة فيه ولا خداع، ولا شبهة فيه ولا نزاع، قال سبحانه:( فكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا)

وقد بين الله تعالى للإنسان سبل إنفاق المال، وأبرزها التوازن في الإنفاق مع الاعتدال، فلا بخل ولا تقتير، ولا إسراف ولا تبذير، قال سبحانه:( ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا) فيلام البخيل على تقتيره، ويتحسر المسرف على تبذيره.

ولكي لا يقع المسلم في اللوم والحسرات طلب الإسلام منه الإنفاق وفق الأولويات، فيقدم الضروريات والحاجيات على غيرها من الكماليات، ولا يضيع ماله في أبواب اللهو والترف، ومظاهر الحياة البراقة بسرف، على حساب حاجة أهله وعياله، من مسكن ومأكل وملبس، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت».

والإنسان إذا أسرف في شراء الكماليات التي لا تتوقف على اقتنائها الحياة، ولا تتوفر لشرائها الإمكانيات، ألجأه ذلك إلى اقتراض الأموال من البنوك، ليغطي ما اشتراه من الكماليات، فيثقل كاهله بالديون الطائلة، وقد كان في غنى عنها، بل إن بعض الناس يقترضون كثيرا من الأموال، وهم لا يملكون إمكانية الوفاء بها، وربما كان بعضهم غير جاد في ردها، وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من التهاون في أداء الديون وقضائها، أو عدم الاكتراث بسدادها، فقال صلى الله عليه وسلم:« من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذ يريد إتلافها أتلفه الله».

ومما يجر الإنسان إلى تحمل الديون اهتمامه بتقليد الآخرين ومنافستهم، ومباهاتهم بالمال ومفاخرتهم، وقد وجه النبي صلى الله عليه وسلم هؤلاء وأمثالهم إلى النظر في أحوال من هم أقل منهم حالا،  وعدم التطلع إلى من هم فوقهم مآلا، لئلا يزدروا النعم وتموت عندهم الهمم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :« انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فإنه أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم».

 عباد الله: إن التساهل في الاقتراض من غير حاجة ماسة أو ضرورة ملحة قد يجر الإنسان إلى المسألة المذمومة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :« إن المسألة لا تحل لغني، ولا لذي مرة سوي».

وقد يعتاد بعض الناس المسألة مستغلا كرم الخيرين، وجود الطيبين، فيسأل من غير حاجة، فيلقى المصير الذي أخبر عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله :« لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله وليس في وجهه مزعة لحم».

ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يربي أصحابه رضي الله عنهم على القناعة والعفة وعزة النفس، واجتناب المسألة من غير حاجة وبأس، فهذا يتنافى مع مروءة المسلم وعزة نفسه، قال حكيم بن حزام رضي الله عنه: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم سألته فأعطاني ثم قال :« يا حكيم إن هذا المال خضرة حلوة، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه كالذي يأكل ولا يشبع، اليد العليا خير من اليد السفلى». فقلت: يا رسول الله والذي بعثك بالحق لا أرزأ أحدا بعدك شيئا حتى أفارق الدنيا.

فكان أبو بكر رضي الله عنه يدعو حكيما إلى العطاء فيأبى أن يقبله منه، ثم إن عمر رضي الله عنه دعاه ليعطيه فأبى أن يقبل منه شيئا. فقال عمر: إني أشهدكم يا معشر المسلمين على حكيم، أني أعرض عليه حقه من هذا الفىء فيأبى أن يأخذه.

فلم يرزأ حكيم أحدا من الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى توفي.

وهكذا ينبغي أن يكون المسلم قنوعا بعطاء مولاه، شكورا مقرا برضاه، فالشكر والرضا والقناعة مصدر الفلاح والسعادة، وتلك الصفات من أعظم ما يجنب المرء الوقوع في محنة الديون وسؤال الناس، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :« قد أفلح من أسلم ورزق كفافا، وقنعه الله بما آتاه».

اللهم قنعنا بما رزقتنا وبارك لنا فيه ووفقنا لطاعتك وطاعة من أمرتنا بطاعته، عملا بقولك:( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم)  

نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم وبسنة نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.


الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وعلى أصحابه أجمعين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فاتقوا الله عباد الله واعلموا أن الدين هم بالليل ومذلة بالنهار، يكدر النفوس ويشتت الأفكار، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعوذ بالله تعالى منه، فعن عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو في الصلاة:« اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم». فقال له قائل: ما أكثر ما تستعيذ من المغرم ؟ فقال :« إن الرجل إذا غرم حدث فكذب، ووعد فأخلف». وفي هذا إشعار بصعوبة أمر الديون فلا ينبغي تحملها إلا لضرورة.

وإذا اقترض الإنسان لحاجة فينبغي أن يراعي آداب الاقتراض وأهمها: أن تكون له عزيمة صادقة على الوفاء، ونية طيبة في القضاء، وأن يسارع في أداء الديون عند حلول أجلها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :« إن خيار الناس أحسنهم قضاء ».

وأن يمتنع عن المماطلة والتأخير في قضائها، أو التساهل وعدم الاكتراث في أدائها، فتكون سببا في غلق باب الإحسان والوقوع في الظلم، قال النبي صلى الله عليه وسلم :« مطل الغنى ظلم ».

عباد الله: إن الله أمركم بأمر بدأ فيه بنفسه وثنى فيه بملائكته فقال  تعالى:(إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:« من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا»

اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعن سائر الصحابة الأكرمين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

اللهم إنا نسألك قلبا شاكرا، ولسانا ذاكرا، ورزقا طيبا، وعملا متقبلا، وعلما نافعا، وعافية في البدن، وبركة في العمر والذرية، اللهم زدنا ولا تنقصنا، وأكرمنا ولا تهنا، وأعطنا ولا تحرمنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وارض عنا وأرضنا، اللهم اجعل زادنا التقوى، وزدنا إيمانا ويقينا وفقها وتسليما، اللهم إنا نسألك موجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك، والسلامة من كل إثم، والغنيمة من كل بر، اللهم إنا نسألك الفوز بالجنة والنجاة من النار، اللهم لا تدع لنا ذنبا إلا غفرته، ولا هما إلا فرجته، ولا دينا إلا قضيته، ولا مريضا إلا شفيته، ولا حاجة إلا قضيتها ويسرتها يا رب العالمين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

اللهم وفق ولي أمرنا رئيس الدولة، الشيخ خليفة ونائبه لما تحبه وترضاه، وأيد إخوانه حكام الإمارات وولي عهده الأمين.

اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات، اللهم ارحم الشيخ زايد، والشيخ مكتوم، وإخوانهما شيوخ الإمارات الذين انتقلوا إلى رحمتك، اللهم اشمل بعفوك وغفرانك ورحمتك آباءنا وأمهاتنا وجميع أرحامنا ومن كان له فضل علينا.

اللهم اغفر لكل من وقف لك وقفا يعود نفعه على عبادك، اللهم بارك في مال كل من زكى وزده من فضلك العظيم، اللهم إنا نسألك المغفرة والثواب لمن بنى هذا المسجد ولوالديه، ولكل من عمل فيه صالحا وإحسانا، واغفر اللهم لكل من بنى لك مسجدا يذكر فيه اسمك.

اللهم أدم على دولة الإمارات الأمن والأمان وعلى سائر بلاد المسلمين.

اذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم (وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون).