الهجرة النبوية دلالات وعبر

تاريخ النشر: 30-11-2010

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

 لتحميل الخطبة بصيغة ملف (Word)               لتحميل الخطبة بصيغة ملف (PDF)

الخطبة الأولى

الحمد لله الذي جعل في الأرض مراغما كثيرا وسعة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبد الله ورسوله، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحابته والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فأوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله جل وعلا، قال سبحانه وتعالى( ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا)

أيها المسلمون: تغمرنا في هذه الأيام نفحات حدث عظيم اختاره المسلمون ليكون اليوم الذي يؤرخون به أيامهم وشهورهم وأعوامهم، إنه يوم هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة.

وهو اليوم الذي يستوقفنا للنظر والتأمل ويستدعي منا قدرا من التبصر والتذكر، لما يحمله من دلالات عظيمة ومعان وعبر جليلة.

فلقد سبق مشهد الهجرة تيقن المشركين بفشل تدابيرهم في مواجهة رسالة الإسلام، وأجمعوا على قتل النبي صلى الله عليه وسلم بمكر منهم، قال سبحانه وتعالى( ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين) فأمر الله تعالى نبيه بالهجرة إلى المدينة، وبات سيدنا علي رضي الله عنه في فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم ليوهم المشركين ببقائه، وكذلك ليرد ودائع الناس لأهلها، وبالرغم من الظروف الحالكة ومطاردة قريش للرسول صلى الله عليه وسلم من كل جانب فقد أبى الخروج قبل أن يرد للناس أماناتهم، وقد أصل لذلك النبي صلى الله عليه وسلم بقوله:« أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك »

وقد خطط صلى الله عليه وسلم لرحلته تخطيطا محكما، وكان حريصا على إنجاز مهمته، سائلا الله عز وجل التوفيق، فكان أول ما عمد إليه اختيار الرفيق المصاحب له في الهجرة، وفي ذلك الاختيار بيان لمنزلة الصحابي الجليل أبي بكر رضي الله عنه، وقد نوه القرآن بصنيعه فخلد ذكره صاحبا للنبي صلى الله عليه وسلم في الغار، قال تعالى( إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا)

وقد أكد الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك بقوله:« إن الله بعثني إليكم فقلتم: كذبت. وقال أبو بكر: صدق. وواساني بنفسه وماله».

ثم خرجا من بيت أبي بكر، وعمدا إلى غار ثور بجبل في أسفل مكة فدخلاه، وأمر أبو بكر ابنه عبد الله رضي الله عنهما أن يتسمع لهما ما يقول الناس فيهما، وكانت أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما تأتيهما بالطعام، وهذا يعزز مكانة المرأة ودورها الهام في المجتمع.

ووصلت قريش إلى مكان النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه في الغار، ولكنها لم تظفر بهما، فعن أبي بكر رضي الله عنه قال: قلت للنبى صلى الله عليه وسلم وأنا في الغار لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا. فقال:« ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما»

وحينما خرج صلى الله عليه وسلم من الغار قاصدا المدينة وقف في أطراف مكة مناجيا ومودعا لها قائلا :« علمت أنك خير أرض الله وأحب الأرض إلى الله، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت». وهو معنى يؤصل حب الوطن ومكانته في النفس، فالوطن هو المهد الذي ولدنا فيه وعلى أرضه نعيش، وفوق ترابه نركع ونسجد، ومن خيره نطعم ونشرب، وقد أوجب الله تعالى الدفاع عنه بالنفس والمال.

 ثم بعدها التقى بعبد الله بن أريقط الدليل الذي استأجره لمعرفته بخبايا الطريق، وكان من غير المسلمين، وهنا فائدتان: الأولى: احترام الرجل لأصول مهنته، فبالرغم من حجم الجائزة المغري إلا أنه لم يفكر في الخيانة احتراما للمهنية في عمله، الثانية: التعاون مع الناس من الملل والأديان الأخرى بما يحقق النفع في إطار التعاون الإنساني خدمة للدين وبناء للوطن والإنسان.

هكذا كان حال النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه في الهجرة، فبعد أن توكلا على الله تعالى وأخذا بالأسباب كان التأييد حليفهما. ولم تنته رحلة الهجرة ومخاطرها بيأس قريش وعودها إلى مكة، فقد لاح لرجل منهم مكان الرسول صلى الله عليه وسلم وصاحبه، فحاول اللحاق بهما، يقول سيدنا أبو بكر رضي الله عنه: فارتحلنا والقوم يطلبونا، فلم يدركنا أحد منهم غير سراقة بن مالك على فرس له. فقلت: هذا الطلب قد لحقنا يا رسول الله. فقال :« لا تحزن إن الله معنا» فتعثر فرسه حتى طلب الأمان من النبي صلى الله عليه وسلم فأعطي له وعاد يرد الناس عنهما بعد أن كان طالبا لهما.

ثم بلغ النبي صلى الله عليه وسلم المدينة واستقبله أهل طيبة بالفرح والسرور، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: لما كان اليوم الذى دخل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أضاء منها كل شىء.

وقد مدح الله تعالى الأنصار لفضلهم وحبهم للمهاجرين فقال تعالى(والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة)

نسأل الله تعالى أن يرزقنا التوكل والصبر والعزم، وأن يوفقنا لطاعته وطاعة من أمرنا بطاعته, عملا بقوله تعالى( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم))

نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم وبسنة نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.


الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبد الله ورسوله، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحابته والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فاتقوا الله عباد الله واعلموا أن الهجرة فضل فاز به السابقون، قال رسول الله  صلى الله عليه وسلملا هجرة بعد الفتح» إلا أنه  يمكن تحصيل بعض معاني الهجرة من حيث الفضل والثواب، وقد وضع لنا النبي صلى الله عليه وسلم طريقة لتحقيق معنى الهجرة بمفهوم أوسع إذ قال صلى الله عليه وسلمالمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه ».

فمن هذا الحديث نستلهم أن الهجرة حدث يقتضي التغيير نحو الأفضل، فهي تعني ترك المعاصي إلى الطاعة وترك الكسل إلى الجد والعمل.

عباد الله: إن الله أمركم بأمر بدأ فيه بنفسه وثنى فيه بملائكته فقال تعالى(إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:« من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا» اللهم إنا نسألك أن تجعل صلواتك وتسليماتك وبركاتك على حبيبك ورسولك سيدنا محمد، وعلى آله الأطهار الطيبين، وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعلى سائر الصحابة الأكرمين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم إنا نسألك صحة إيمان، وإيمانا في حسن خلق، ونجاحا يتبعه فلاح ورحمة منك وعافية ومغفرة، اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، واجعلنا من الراشدين، اللهم إنا نسألك مما سألك منه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ونعوذ بك مما تعوذ منه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم اللهم اشف مرضانا وارحم موتانا، اللهم ارحم الشيخ زايد، والشيخ مكتوم، وإخوانهما شيوخ الإمارات الذين انتقلوا إلى رحمتك، اللهم أنزلهم منزلا مباركا، اللهم وفق ولي أمرنا رئيس الدولة، الشيخ خليفة بن زايد ونائبه لما تحبه وترضاه، وأيد إخوانه حكام الإمارات وولي عهده الأمين، اللهم بارك في المحسنين الذين ينفقون أموالهم ابتغاء وجهك الكريم، اللهم إنا نسألك المغفرة والثواب لمن بنى هذا المسجد ولوالديه، ولكل من عمل فيه صالحا وإحسانا، واغفر اللهم لكل من بنى لك مسجدا يذكر فيه اسمك، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم اسقنا من بركات السماء وأنبت لنا من بركات الأرض، اللهم أدم على دولة الإمارات الأمن والأمان وعلى سائر بلاد المسلمين.

اذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم (وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون)